الأخبار

خطبة أول رمضان 1447هـ: رمضان خطوات إلى النور ومسير نحو التقوى

مع إشراقة شهر رمضان المبارك، شهر الصيام والقيام وتزكية النفوس، تتجدد دعوة الإيمان إلى السير في طريق التقوى بثبات واعتدال. ويأتي هذا الشهر الكريم فرصة عظيمة لمراجعة السلوك، وضبط المقاصد، وتجديد العهد مع الله تعالى، من خلال عبادة الصيام التي لا تقتصر على الإمساك عن الطعام والشراب، بل تمتد لتشمل إصلاح القلب والعمل وإتقان الأمانة. 

 


 

وفي هذه الخطبة المباركة، المعنونة بـ «رمضان خطوات إلى النور ومسير نحو التقوى»، يُبيَّن أثر الصيام في تقوية الإيمان، وحراسة الجوارح، وتحقيق التوازن في العبادة، مع التأكيد على قيمة الإخلاص، والاستمرار، وحسن العمل، باعتبارها مقاصد شرعية كبرى لهذا الشهر الفضيل.

فيما يلي النص الكامل للخطبة كما ورد دون اختصار، محافظًا على تسلسلها ومعانيها ومقاصدها.

رمضان 1447هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

رمضان.. خطوات إلى الفوز ومسير نحو التقوى

الحمد لله الذي مدّ في الآجال، وأنشأ في الآثار، حتى بلغنا شهر الصيام والقيام، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل رمضان موسم الربح والرضوان، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان ﷺ وعلى آله وصحبه الذين عرفوا قدر الزمان، فاستبقوا فيه إلى الإحسان.

أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، وأكثروا ذكره، فإنكم خير الزاد المتقون، واقرؤوا قول الله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ (1).

محاور الخطبة:

إن أول مقتضيات إحسان الاستقبال لهذا الشهر الكريم هو إدراك قيمة الفرصة بعقل يقظ وقلب حاضر؛ فبالعقل نعي أن أعمارنا ما هي إلا أنفاس معدودة، وأن تقلبنا في هذه الدنيا هو رحلة ذهاب بلا عودة؛ فإذا كان التاجر اللبيب يبذل قصارى جهده في مواسم الربح المادي التي تنتهي بزوال الدنيا، فكيف بمن يتاجر مع الله في موسم للعبادة قد تزن عمر إنسان بكامله؟

إن الاقتران على كرم الله وشرف الوقت يتجلى في قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ (2)، وهي إشارة لطيفة إلى سرعة انقضاء هذا الموسم، فالحصيف لا تخدعه البدايات الطويلة، بل يوقن أن هذه الأيام تمر مرّ السحاب، وما أصدق وصف النبي ﷺ حين قال: «رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يُغفر له».

فالحاجة إلى إحسان السير نابعة من اضطرارنا إلى المغفرة، وفرارنا إلى رحمة الله التي تنال بالسعي الحثيث الذي يجمع بين الخوف والرجاء؛ فاجعلوا من حسن استقبالكم يقينًا يُثمر في العمل، ومن حسن عزمكم وقودًا للمثابرة في أول المسير.

(1) البقرة: 184
(2) البقرة: 184

رمضان.. خطوات إلى الفوز ومسير نحو التقوى

عباد الله:

إذا صحّت المقاصد حَسُنَ العمل، فالعقل السليم يُدرك أن الله تعالى لم يشرع الصيام إلا تربيةً للملكة الأخلاقية، وتهذيبًا للنزعة النفسية، وهذا ما دلّ عليه القرآن في قوله سبحانه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (1)، فالتقوى هي الغاية الكبرى، والبوصلـة التي ينبغي أن تُحسِن توجيهها من أول الطريق، فرمضان لم يُعطَ إياه لتُجرَّب فيه العبادات، بل ليُضبط بها؛ فليكن سؤال المؤمن في مطلع هذا الشهر: أيُّ صيامٍ أريد؟ وأيُّ أثرٍ أرجو أن يتركه الصوم في قلبي ولساني وسلوكي؟

لا تمضي الأيام وتُؤدَّى الأعمال، ثم نُفاجأ في آخر الشهر أن الجوارح لم تتغيّر، والقلوب لم تتهذّب، ولهذا نبّه النبي ﷺ منذ البداية إلى حقيقة الصيام فقال: «مَن لم يَدَع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يَدَع طعامه وشرابه»، فدلّ الحديث على أن الإحسان إنما يُقاس بقدرة الصائم على كبح أهوائه، وضبط لسانه، وحراسة جوارحه؛ فكم من صائم أجهد جسده ولم يُثمر صيامه تقوى، وقد حذّر النبي ﷺ من ذلك بقوله: «رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش».

إن الصيام ليس جوعًا مؤقتًا، ولا امتناعًا عابرًا، بل هو مدرسة انضباط شاملة، يبدأ فيها الامتناع عن المباح ليتقوّى العزم على ترك الحرام؛ فمن لم يُحسِن العزم في أوله، تعثّر في وسطه، وخرج من آخره بأقلّ مما دخل.

أيها الصائمون:

إن أجمل السير في رمضان أن يكون سيرًا مُنضبطًا، يقوم على صدق النية، وحضور القلب، وحسن التوجه إلى الله؛ وقد خصّ الله الصيام بمكانة عظيمة، فقال في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به»، ليكون الصيام بابًا واسعًا للقرب، وفرصةً للعبودية الخالصة، يفتح الله بها على عباده من البركة ما يفوق الجهد؛ ويثمر فيها العمل حين يُؤدّى بقلب حيّ.

وتذكّروا – يا عباد الله – أن الكثير من الناس لا يضعف سيره في رمضان لأنه لا يريد الخير، بل لأنه دخل الطريق بلا ميزانٍ يضبط خطاه، فتراكمت عليه الأعمال، واختلطت المقاصد، ففاتته الثمرة.

(1) البقرة: 183

لديه المقاصد، حتى صار يريق قلبه بما لا يُطيق، فاستنزف طاقته في أيام قلائل، ثم لا يلبث أن يدركه الفتور في منتصف الطريق، غافلاً عن أن هذا الدين يُسرٌ، وأن الثبات لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، فقد أرشدنا القرآن إلى ميزان السير الحق حين نهى عن مجاوزة الحد، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (1)، فدلّ ذلك على أن الخير والعبادة يحتاجان إلى قصدٍ واعتدال، لا إلى إفراطٍ يُورث العجز، ولا تفريطٍ يقطع المداومة.

ولهذا قرّر القرآن قاعدةً جامعة في الثبات على السير حين قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (2)، فربط العبادة بالاستمرار لا بالاندفاع المؤقت، فاجعلوا من كل يوم درجةً ترتقون بها في معارج القبول، حتى تبلغوا ذروة العشر الأواخر بقلوب عامرة وأرواح ظاهرة، مستبشرين بفضل الله ورحمته.

فاتقوا الله – عباد الله – وأحكموا موازين سيركم منذ الخطوة الأولى، ليكن شهركم زادًا يبقى، وعملًا يرقى، وأثرًا يُحيي.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه سبحانه وأنتم موقنون بالإجابة.


الحمد لله وكفى، وصلاةً وسلامًا على عباده الذين اصطفى، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صاحب الحوض المورود، والمقام المحمود ﷺ، وعلى آله وصحبه أولي النهى والتقى، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم اللقاء.

أما بعد؛ فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن إحسان العمل يقتضي منا – ونحن في فاتحة الشهر – أن نضع ميثاقًا عمليًا لدخول إيماننا يُضبط به سلوكنا وتنتظم به أعمالنا؛ فليكن غضُّ أبصاركم أول معالمه، وحفظ ألسنتكم ثانيته، وأداء الصلوات الخمس في أوقاتها أساسه؛ فالعقل والمنطق الشرعي يقضيان أن السير لا يصح ما لم يُحفظ الركن، ولا بركة في نافلةٍ يُفرَّط معها في فريضة، والدليل على ذلك قول الحق في الحديث القدسي: «وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه».

(1) الإسراء: 29
(2) الحجر: 99

فاجعلوا صلواتكم عماد يومكم، ثم ليكن لكم من القرآن ورد معلوم تُحيون به القلوب، لا تُثقِلون فيه بكثرة الحروف بقدر ما تُحيون به الأرواح، ولتُنشِّطوا جهودكم على استغلال ساعات الغفلة التي يهدرها عادةً لهوُ الكلام أو فضولُ النوم؛ كالساعة التي تسبق الإفطار ففيها وقت إجابة، والساعة التي تعقب السحور ففيها وقت استغفار، والوقت الذي بين الأذان والإقامة فإنها ساعة دعاء لا تُردّ.

ثم اعلموا أن حماية خلواتكم تقتضي الانتباه لضوابط الأوقات المستهلكة في العوالم الافتراضية والشاشات التي تقتطع ساعات الليل والنهار، وتذهب بخشوع الصائمين وتقطع خطوة السالكين؛ فالعاقل هو من يجعل بيته محرابًا ومن نومه هجرةً إلى الله يُقلِّل فيها من المشتتات، ويحرص في كل ليلة على شهود صلاة التراويح مع الجماعة، ابتغاءً لبركة قول النبي ﷺ: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة».

فإذا انضبط يومكم بهذا الجدول المتوازن الذي يجمع بين الفريضة والنافلة، وبين الذكر والعمل، وبين حراسة الجوارح وتزكية النفس، كنتم ممن أحسنوا السير وصدقوا المشي، واستوجبتم بفضل الله أن تكونوا من عتقائه في شهركم الكريم.

فاتقوا الله – عباد الله – وزوّدوا من مسيركم خيرًا؛ فإنما هي أيامٌ تروح وتغدو، والسعيد من غدا فيها لربه طائعًا ولجناته راجيًا.

هذا، وصلّوا وسلّموا على إمام المرسلين، محمد الهادي الأمين، فقد أمركم الله بذلك حين قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

اللهم صلّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آل نبينا محمد، كما صليت وسلّمت على سيدنا إبراهيم، وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على نبينا محمد وعلى آل نبينا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

اللهم ارضَ عن الخلفاء الراشدين، وعن أمهات المؤمنين، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعًا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقًا معصوما، ولا تجعل فينا ولا منا شقيًا ولا محرومًا. 

 




 

إرسال تعليق

0 تعليقات

مفضلتي

معدل الحفظ: 0%