سيد درويش ترك للمصريين الطيبين أوبريت( العشرة الطيبة) الرواية التاريخية التى ألفها محمد تيمور وقدمتها فرقة الريحانى للمسرح سنة 1920م..والتى تضمنت 16 لحنا أجملهم بالفعل لحن(قوموا يا مصريين/فوقوا يا مصريين).. تيمورلجأ إلى الرمز لنقد نظام الحكم بعد ثورة 1919م (الملك فؤاد) واختار لروايته موضوعا خرافيا جرت أحداثه في عصر المماليك...ليقول للمصريين أن حاضر قاسى ما هو إلا نتيجة لماضي أقسى.
العشرة الأوكرانية هى العشر سنوات(2004-2014م)... 2004م هى السنة التى قامت فيها ثورة أوكرانيا (البرتقالية)..التى اندلعت بعد تزييف (يانكوفيتش) الانتخابات وتامين فوزه برئاسة البلاد.. الثورة نجحت فى منح الشعب الاوكرانى دستورا جديدا ورئاسة جديدة للجمهورية (السيدة يوليا تايموشنكو) وحكومة جديدة.. لكن الانقسامات و(التعويق المخطط) فى إدارة البلاد وتلاعبات روسيا .. أعادت (يانكوفيتش) ابن البيروقراطية الشيوعية العميقة إلى رئاسة الجمهورية ثانية فى 2010 فيما مثل وقتها ردة كاملة عن ثورة 2004م ..مكث الرجل أربع سنوات لكن ذيل الكلب لا يستقيم اعوجاجه
مهما فعلت.. فقد برزت (عائلة الرئيس) على سطح المجال السياسى والاقتصادي وازداد الوضع العام سوء ..وهو السىء أصلا ..
تحوى حالة أوكرانيا_ التى نتابعها هذه الأيام _الكثير من الاستراتيجيات التاريخية الكبرى حيث..الثورة.. والثورة المضادة.. الدين ..الدولة..
الثقافة..الايدولوجيا.. الديكتاتورية.. المؤامرة.. الجغرافيا.. التاريخ ..الأمن..القومية..المصالح ..النفوذ..الفساد .
حين أعلنت أوكرانيا استقلالها عن الاتحاد السوفييتى عام 1991م وقت الأحداث الكبرى فى اوروبا الشرقية لم تستطع روسيا وقتها مواجهة هذا التحول
الخطير فى أحد بواباتها الرئيسية الثلاث(وسط أسيا والقوقاز وأوكرانيا) ..يقولون أن كييف عاصمة أوكرانيا هى أول موطن للقومية الروسية وليس موسكو(القومية) ..كما أن أوكرانيا هى المهد الأول للمسيحية الأرثوذكسية فى القرن العاشر.م(الدين)..كما أن السهل الأوكراني الفسيح كان هو ميدان نابليون وهتلر إلى روسيا(التاريخ) ..أوكرانيا هى أكبر الدول الأوروبية مساحة وسكانا(الجغرافيا) خارج الاتحاد الأوروبي وخارج الناتو..الإطارين الكبيرين لأوروبا( الثقافة والأمن )وهى الممر الرئيسى لأنابيب النفط والغاز إلى أوروبا الغربية(المصالح) الاضطراب فى العلاقة مع الاتحاد الروسى(الفساد) هو ما دفع لبدء مباحثات بين الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا والتى انتهت بالعرض الذى قدمه الاتحاد للرئيس (يانكوفيتش) فى نوفمبر الماضى والذى رفضه استجابة لروسيا
كونه حليفهم القديم من أيام الشيوعية(الايدولوجيا)..لكن
هذا هو رد فعل الشعب الاوكرانى على حقبة الثورة المضادة التى استمرت عشر سنوات(العشرة الأوكرانية) وطوحت بكل مكتسبات الثورة البرتقالية 2004م ..لكن تبقى هناك( نقطة ضعف) فى الحالة الأوكرانية وهى أن 18%من الاوكرانيين ينتمون إلى العرق الروسي ويمثلون أغلبية فى 8 مقاطعات من أصل 24 مقاطعة بالإضافة إلى مجموعات عرقية صغيرة .
الأهم من كل هذه التفاصيل هو (النفس التاريخي الطويل) فى نيل استحقاقات الحرية الكرامة والاستقلال الوطنى..وهوما بدأ من عام 89م و بلغ ذروته فى 2004م وتصاعد حتى بلغ ما نراه الآن فى 2014م .. الثورات قد تشهد عثرات لكنها أبدا لا تموت..حتى تبلغ مناها ومنتهاها.
(العشرة الأوكرانية )كانت شديدة الوطأة على الناس ..لكن الشعب الاوكرانى عرف (الحقيقة) وعرف كل (الدروب) التى تقود إليها...
فى (العشرة الطيبة)سيلتحف تيمور ودرويش بالتاريخ كله(الماضي والحاضر) وأيضا المستقبل..وستبلغ السخرية (بنظام حكم الملك فؤاد الذى أجهض ثورة 1919م).. مداها وسيصل نقد(محمد تيمور)اللاذع إلى قمته في مشهد اجتماع الوالي بمجلس وزرائه الذى يبدو فيه (المعنى) أكثر إثارة للتساؤل والقلق والخوف... فقد أصيب رئيس الوزراء بمغص داخلي في الأمعاء ...أما الوكيل فقد أصيب بصداع داخلي في (المخ)!! وهكذا يجيب رئيس الوزراء على الوالي عند سؤاله عن الوزارة بقوله: (أصيبت بخلل داخلي في جميع أجزائها) ويقدم كل وزير تقريرا عجيبا عن سير العمل فى وزارته كان أروعها تقرير وزير العدلية(العدل وشئون القضاء) حيث يقول( أخبار العدلية يامولاي كثيرة جدا أولها إصدار قرار بحبس المتهمين قبل محاكمتهم وثانيا إلغاء لفظ محامي من جدول القضاء وثالثها إصدار قرار بأن يكون القاضي أخرس أطرش مكسح أعمى).. ومن الشخصيات المثيرة فى الاوبريت (حزنبل الكيماوي)ويرمز به المؤلف إلى نمط من أنماط الشخصية المصرية الذي يجاهد ليصنع معجزة ليحول النحاس إلى ذهب!! ..وفى الوقت نفسه ثائر على سيده المملوك التركي..ورغم خضوعه الظاهري له فإنه يخالف أوامره ..أيضا سنجد الوصولي (حسن عرنوس) الذى لا يكف عن السخرية من الوالي وهو يلاينه ويخادعه ليسيطر عليه وعلى كل مقدرات( الدولة)...أما الزوجات الخمسة والرجال الخمس (العشرة أشخاص) الذين سماهم المؤلف(العشرة الطيبة)ويرمز
بهم جميعا إلى(الشعب المصري المغلوب على أمره) ..فحين أصدر الحكام والقضاة حكمهم (بإعدامهم) .يهب (بعض المخلصين )من أبناء الشعب ليبقوا على حياتهم.. وليفرضوا إرادتهم على الحكام ويعلنوا أنهم لن (يموتوا )بل سيعيشون وينتصرون ..و(الزواج الجماعي) الذي ختمت به الرواية بين هؤلاء العشرة أقوى رمز على وحدة( الجماعة الوطنية) ..كما ألت على نفسها أن تكون وكما يجب عليها دائما أن تكون..حيث الحياة الكريمة الخصبة الثرية والانتصار الكبير الذي يتنبأ به المؤلف للشعب المصرى ..(العبارات شتى والمعنى واحد).
على أن أجمل كلمات لحن (قوموا يا مصريين فوقوا يا مصريين) هو ذاك الذى يشيد بـ (المرأة المصرية) .. يا عينى يا عينى على النساوين/ دي الفلاحة من دولا بمية /من الكخيات المتنفخين/ قال يتغالبوا عما يعايبوا /عشان موش متهندمين /ولا هماش عارفين/ هو تلفنا وخلانا شفنا /غلب الغلب غير التمدين/ فوقوا يا مصريين.. فوقوا يا مصريين ..فوقوا يا مصريين.
0 تعليقات
أهلا وسهلا ومرحبا بك في موقع تغطية مباشر : ضع ردا يعبر عن اناقة أخلاقك ، سنرد على اي استفسار نراه يحتاج الى اجابة ، ادعمنا برأيك وضع تعليقا للتشجيع ..