فَأُوصِيكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ: )يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا *
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ
يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا( [الأحزاب:70، 71].
عِبَادَ اللهِ:
لَقَدْ
أَمَرَ الإِسْلاَمُ بِالتَّكَافُلِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ،
وَبِالتَّرَاحُمِ وَالتَّعَاطُفِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ
مِنْ قُوَّةٍ لِلْمُجْتَمَعِ وَصَلاَبَةٍ وَتَأْسِيسٍ وَمَتَانَةٍ
وَرَابِطَةٍ، وَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ أُجُورًا عَظِيمَةً، وَمِنْ ذَلِكَ:
كَفَالَةُ الأَيْتَامِ؛ بِالْقِيَامِ بِشُؤُونِهِمْ وَتَرْبِيَتِهِمْ
وَالإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ، فَإِعَانَةُ الْيَتِيمِ وَكَفَالَتُهُ
سَعَادَةٌ
وَنِعْمَةٌ، وَالْيَتِيمُ ضَعِيفٌ لِكِنَّهُ سَبَبٌ قَوِيٌّ يَقُودُكَ
إِلَى الْجَنَّةِ، فَافْرَحْ بِإِحْسِانِكَ إِلَى الْيَتَامَى، وَبَذْلِ
الْمَعْرُوفِ لَهُمْ، وَقَضَاءِ حَاجَاتِهِمْ، وَاحْذَرِ احْتِقَارَهُمْ
وَقَهْرَهُمْ وَظُلْمَهُمْ، فَبِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ
يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، وَمَنْ فَقَدَ رِعَايَةَ وَالِدِهِ بِغَيْرِ
يُتْمٍ وَجَبَ عَلَى الْمُجْتَمَعِ الإِحْسَانُ إِلَيْهِ، وَإِحَاطَتُهُ
بِالرِّعَايَةِ وَالتَّرْبِيَةِ، فَكَيْفَ بِيَتِيمِ الأَبِ ؟!
وَالرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
لَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ r
قُدْوَةً فِي كَفَالَةِ الأَيْتَامِ، فَلَقَدِ اتَّخَذَ -عَلَيْهِ
الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ- أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَيْتَامٍ يَحُوطُهُمْ
بِرِعَايَتِهِ وَعِنَايَتِهِ، فَكَانَ لَهُمْ أَبًا رَحِيماً مُشْفِقًا
مُحِبًّا لَهُمْ، بَلْ شَجَّعَ الإِسْلاَمُ عَلَى رِعَايَةِ الأَيْتَامِ
وَكَفَالَتِهِمْ، وَبَشَّرَ النَّبِيُّ r الْقَائِمَ
عَلَى أَمْرِ الْيَتِيمِ وَالْمُتَعَهِّدَ بِكَفَالَتِهِ وَحُسْنِ
تَرْبِيَتِهِ: بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: قَالَ الْرَسُولُ r: «كَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ -وَأَشَارَ مَالِكٌ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى»
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ -رَحِمَهُ
اللهُ-: «حَقٌّ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ أَنْ يَعْمَلَ
بِهِ، لِيَكُونَ رَفِيقَ النَّبِيِّ r
فِي الْجَنَّةِ، وَلاَ مَنْزِلَةَ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ فِي الآخِرَةِ».
وَقَدْ يَرْغَبُ مُحِبُّ الْخَيْرِ فِي أَنْ يَعْرِفَ السِّرَّ فِي بُلُوغِ
الْكَافِلِ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ الْعَظِيمَةَ، وَالرُّتْبَةَ
الشَّرِيفَةَ؛ لِيَكُونَ قَرِيناً لِنَبِيِّهِ r فِي الْمَقَامِ الْعَظِيمِ، يَقُولُ أَهْلُ الْعِلْمِ: «إِنَّ مُحَمَّدًا r
كَتَبَ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ هِدَايَةَ قَوْمٍ كَانُوا فِي ضَلاَلٍ
مُبِينٍ، قَامَ عَلَيْهِمْ، وَأَصْلَحَ شَأْنَهُمْ، عَلَّمَهُمْ
وَأَرْشَدَهُمْ، وَدَلَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَالطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ،
وَكَذَلِكَ كَافِلُ الْيَتِيمِ، يَحْفَظُ يَتِيمَهُ فِي حَالِ صِغَرِهِ لاَ
يَعْقِلُ وَلاَ يَفْقَهُ، فَيَدُلُّهُ وَيَهْدِيهِ، وَيُهَذِّبُهُ
وَيُرَبِّيهِ، فَإِذَا مَا بَلَغَ مَبْلَغَ الرِّجَالِ، كَانَ رَجُلاً
سَوِيًّا، مَحْفُوظَ الْحُقُوقِ، مَوْفُورَ الْكَرَامَةِ، مَعَ مَا
يَتَحَمَّلُ الْكَافِلُ مِنْ تَبِعَاتِ الْوِصَايَةِ وَالرِّعَايَةِ،
وَشُؤُونِ التَّرْبِيَةِ وَحُسْنِ الْعِنَايَةِ، وَمَا يَحُفُّ بِذَلِكَ
مِنْ تَقْوًى وَنَزَاهَةٍ وَعَفَافٍ».
عِبَادَ اللهِ:
وَلَقَدِ اقْتَفَى الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أَثَرَ النَّبِيِّ r،
فَكَانَ عِنْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَيْتَامٌ فِي بُيُوتِهِمْ،
وَكَفَلَ نِسَاؤُهُمْ أَيْتَامًا مِنَ الْبَنَاتِ فِي بُيُوتِهِنَّ،
كَأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ وَمَيْمُونَةَ وَزَوْجَةِ ابْنِ
مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُنَّ-، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمَا إِذَا رَأَى يَتِيمًا مَسَحَ رَأْسَهُ وَأَعْطَاهُ شَيْئًا.
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ t: ارْحَمِ الْيَتِيمَ، وَأَدْنِهِ مِنْكَ، وَأَطْعِمْهُ مِنْ طَعَامِكَ.
مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ:
الْيَتِيمُ
يَأْتِي إِلَى الدَّارِ بِالْخَيْرَاتِ، وَتَتَنَزَّلُ بِحُلُولِهِ
الْبَرَكَاتُ، وَيَلِينُ بِهِ الْقَلْبُ مِنَ الزَّلاَّتِ، وَفِي مُعْجَمِ
الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ بِإِسْنَادٍ صَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ عَنْ
أَبِي الدَّرْدَاءِ t قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ r رَجُلٌ يَشْكُو قَسْوَةَ قَلْبِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ r:
«أَتُحِبُّ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ وَتُدْرِكَ حَاجَتَكَ؟! ارْحَمِ
الْيَتِيمَ، وَامْسَحْ رَأْسَهُ، وَأَطْعِمْهُ مِنْ طَعَامِكَ: يَلِنْ
قَلْبُكَ، وَتُدْرِكْ حَاجَتَكَ». وَسَأَلَ رَجُلٌ الإِمَامَ أَحْمَدَ
-رَحِمَهُ اللهُ-: كَيْفَ يَرِقُّ قَلْبِي، قَالَ: «ادْخُلِ الْمَقْبَرَةَ،
وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ». وَأَطْيَبُ الْمَالِ مَا أُعْطِيَ مِنْهُ
الْيَتِيمُ، قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ-: «إِنَّ
هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَنِعْمَ صَاحِبُ الْمَالِ الْمُسْلِمُ
مَا أُعْطِيَ مِنْهُ الْمِسْكِينُ وَالْيَتِيمُ وَابْنُ السَّبِيلِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدَرِيِّ t]. كَمَا أَنَّ الإِحْسَانَ إِلَيْهِمْ يُفَرِّجُ كُرَبَ الآخِرَةِ: )فَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً ( [الإنسان:11]. وَإِطْعَامُهُمْ سَبَبٌ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ: )وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً( [الإنسان:8].
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ:
لَقَدْ وَبَّخَ -جَلَّ وَعَلاَ- مَنْ لَمْ يُكْرِمِ الْيَتِيمَ : )كَلاَّ بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ([الفجر:17]. وَقَرَنَ دَعَّهُ -وَهُوَ قَهْرُهُ وَظُلْمُهُ- قَرَنَ ذَلِكَ بِالتَّكْذِيبِ بِيَوْمِ الدِّينِ: )أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ([الماعون:1-2]، وَنَهَى اللهُ صَفْوَةَ خَلْقِهِ -عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ- أَنْ يَقْهَر أَحَدًا مِنْهُمْ: )فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ([الضحى:9]،
أَيْ لاَ تُذِلَّهُ وَلاَ تَنْهَرْهُ وَلاَ تُهِنْهُ، وَلَكِنْ أَحْسِنْ
إِلَيْهِ وَتَلَطَّفْ بِهِ. وَنَهَى عَنْ قُرْبِ مَالِ الْيَتِيمِ إِلاَّ
بِالْحُسْنَى: )وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ([الأنعام: 152].
وَلاَ
يَتَوَلَّى أَمْوَالَهُمْ إِلاَّ الْقَوِيُّ الأَمِينُ. وَنَهَى -
عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ - الضَّعِيفَ مِنْ صَحَابَتِهِ أَنْ
يَتَوَلَّى عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَقَالَ: «يَا
أَبَا ذَرٍّ: إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ
لِنَفْسِي، لاَ تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلاَ تَوَلَّيَنَّ مَالَ
يَتِيمٍ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَأَكْلُ مَالِهِ مِنَ السَّبْعِ الْمُهْلِكَاتِ؛ قَالَ r: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ»، وَذَكَرَ مِنْهُنَّ: «وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ t]. وَمَنْ أَكَلَ مَالَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ سَيْصَلَى فِي بَطْنِهِ نَارًا: )إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً( [النساء:10].
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - أَكْلُ مَالِ
الْيَتِيمِ مُجْلِبٌ لِسُوءِ الْخَاتِمَةِ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ. وَإِذَا
رَشَدَ الْيَتِيمُ أُعْطِيَ مَالَهُ وَافِيًا مِنْ غَيْرِ بَخْسٍ أَوْ
إِخْفَاءٍ لِشَيْءٍ مِنْهُ: )فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا ( [النساء:6].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ
صَلاَحَ الْوَالِدَيْنِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ حِفْظِ الأَوْلاَدِ فِي
حَيَاتِهِمَا وَبَعْدَ مَمَاتِهِمَا، قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
فِي قِصَّةِ مُوسَى وَالْخَضِرِ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ فِي شَأْنِ
صَاحِبَيِ الْجِدَارِ اللَّذَيْنِ كَانَا يَتِيمَيْنِ، قَالَ اللهُ
تَعَالَى: )وَأَمَّا
الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ
تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ
أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ
رَبِّكَ( [الكهف:82].
لَيْسَ الْيَتِيمُ مَنِ انْتَهَى أَبَوَاهُ مِنْ هَمِّ الْحَيَاةِ وَخَلَّفَاهُ ذَلِيلاَ
إِنَّ الْيَتِيمَ هُوَ الَّذِي تَلْقَى لَهُ أُمّـاً تَخَلَّتْ أَوْ أَباً مَشْغُـولاَ
وَاللهُ
-عَزَّ وَجَلَّ- لاَ يُغْلِقُ عَنْ عَبْدِهِ بَاباً إِلاَّ وَيَفْتَحُ
لَهُ بِرَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ أَبْوَاباً غَيْرَهُ، وَالْيُتْمُ قَدْ
يَكُونُ طَرِيقاً لِلْعُلُوِّ وَالشُّمُوخِ؛ فَقَدْ كَانَ فِي الأُمَّةِ
مَنْ فَقَدُوا آبَاءَهُمْ فَأَصْبَحُوا فِيهَا عُظَمَاءَ، فَقَدْ حَفِلَ
التَّارِيخُ بِأُنَاسٍ عَاشُوا الْيُتْمَ، وَلَكِنَّهُمْ مَلَؤُوا
الدُّنْيَا عِلْماً وَجِهَادًا ، وَدَعْوَةً وَعِبَادَةً.
نَشَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ t يَتِيمًا، وَكَانَ يَرْعَى لِقَوْمِهِ الْغَنَمَ، ثُمَّ لاَزَمَ النَّبِيَّ r
فَكَانَ رَاوِيَةَ الإِسْلاَمِ، يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ فَيَقُولُ:
نَشَأْتُ يَتِيمًا، وَهَاجَرْتُ مِسْكِينًا، وَكُنْتُ أَجِيرًا لاِبْنَةِ
غَزْوَانَ بِطَعَامِ بَطْنِي وَعُقْبَةِ رِجْلِي، أَحْدُو بِهِمْ إِذَا
رَكِبُوا، وَأَحْتَطِبُ إِذَا نَزَلُوا، فَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ
الدِّينَ قِوَامًا، وَجَعَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ إِمَامًا.
وَالإِمَامُ
الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فَقَدَ أَبَاهُ وَهُوَ دُونَ
الْعَامَيْنِ، فَنَشَأَ فِي حِجْرِ أُمِّهِ فِي قِلَّةٍ مِنَ الْعَيْشِ
وَضِيقٍ مِنَ الْحَالِ، فَحَفِظَ الْقُرْآنَ وَجَالَسَ فِي صِبَاهُ
الْعُلَمَاءَ، فَسَادَ أَهْلَ زَمَانِهِ. قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: سَمِعْتُ
الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: كُنْتُ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أُمِّي، وَلَمْ يَكُنْ
عِنْدَهَا مَا تُعْطِي الْمُعَلِّمَ، وَكَانَ الْمُعَلِّمُ قَدْ رَضِيَ
مِنِّي أَنْ أَقُومَ عَلَى الصِّبْيَانِ إِذَا غَابَ، وَأُخَفِّفَ عَنْهُ.
فَأَيَّ شَيْءٍ كَانَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ؟! قَالَ الإِمَامُ
أَحْمَدُ: كَانَ الشَّافِعِيُّ كَالشَّمْسِ لِلدُّنْيَا، وَكَالْعَافِيَةِ
لِلنَّاسِ.
وَالإِمَامُ
ابْنُ الْجَوْزِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- نَشَأَ يَتِيمًا عَلَى الْعَفَافِ
وَالصَّلاَحِ فِي رِعَايَةِ عَمَّتِهِ، فَحَمَلَتْهُ إِلَى الْعُلَمَاءِ،
ثُمَّ صَنَّفَ وَوَعَظَ، قَالَ -رَحِمَهُ اللهُ- عَنْ نَفْسِهِ:
بِأُصْبُعَيَّ هَاتَيْنِ كَتَبْتُ أَلْفَيْ مُجَلَّدَةٍ، وَتَابَ عَلَى
يَدَيَّ مِائَةُ أَلْفٍ، وَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيَّ عِشْرُونَ أَلْفاً،
وَكَانَ يَخْتِمُ فِي الأُسْبُوعِ. قَالَ شَيْخُ الإِسْلاَمِ -رَحِمَهُ
اللهُ-: وَلاَ أَعْلَمُ أَحَدًا صَنَّفَ فِي الإِسْلاَمِ أَكْثَرَ مِنْ
تَصَانِيفِهِ.
وَغَيْرُ
هَؤُلاءِ كَثِيرٌ، كَانُوا أَيْتَامًا، كَالسُّيُوطِيِّ، وَابْنِ حَجَرٍ،
وَالثَّوْرِيِّ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ السَّلَفِ
عَاشُوا أَيْتَاماً، لَكِنَّهُمْ أَنَارُوا الدُّنْيَا بِالْعِلْمِ
وَالْفَهْمِ، وَلَمْ يَكُنِ الْيُتْمُ عَائِقًا لَهُمْ عَنِ النُّهُوضِ،
بَلْ رُبَّمَا كَانَ دَافِعًا لَهُمْ.
وَإِذَا
أَرَدْتَ أَمْثِلَةً حَاضِرَةً قَرِيبَةً فَهِيَ غَيْرُ قَلِيلَةٍ
أَيْضًا، أَمْثَالَ: صِدِّيقِ حَسَنِ خَانٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ
السَّعْدِيِّ، وَعَبْدِ اللهِ الْقَرْعَاوِيِّ، وَمُحَمَّدِ الأَمِينِ
الشِّنْقِيطِيِّ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ بَازٍ -رَحِمَهُمُ اللهُ-
وَسَيُّدُ الأَيْتَامِ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٍ r،
تُوُفِّيَ وَالِدُهُ وَأُمُّهُ حَامِلٌ بِهِ، ثُمَّ تَقَلَّبَ فِي
أَحْضَانٍ مُتَوَالِيَةٍ مِنْ أُمِّهِ إِلَى جَدِّهِ إِلَى عَمِّهِ: )أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى( [الضحى:6].
قَالُوا:(الْيَتِيمُ) فَمَاجَ عِطْرُ قَصِيدَتِي وَتَلَفَّـتَتْ كَــــلِمَاتُهَـــا تَعْظِيمَـــــا
وَسَمِعْتُ مِـنْهَا حِكْـمَــةً أَزَلِيَّـــةً أَهْــدَتْ إِلَــيَّ كِـتَابَهَـا الْمَرْقُـومَا
حَسْبُ الْيَتِيمِ سَعَادَةً أَنَّ الَّــذِي نَشَرَ الْهُدَى فِي النَّاسِ عَاشَ يَتِيمَا!
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَإِذَا رَجَوْتَ أَنْ تَتَّقِيَ لَفْحَ جَهَنَّمَ فَارْحَمِ الْيَتَامَى وَأَحْسِنْ إِلَيْهِمْ: ) وَيُطْعِمُونَ
الطَّعَامَ عَلَى حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا
نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً
* إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً *
فَوَقَـاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَومِ وَلَقَّـاهُمْ نَضْرَةً
وَسُرُوراً( [الإنسان:8-11].
نَفَعَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ بِهَدْيِ كِتَابِهِ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ r،
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ
ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
إِنَّ
اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- رَفَعَ قَدْرَ جَابِرِ كَسْرِ الْيَتِيمِ، وَمَنْ
كُتِبَ عَلَيْهِ الْيُتْمُ وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَالْجَنَّةُ مَأْوَى
الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلاَةُ
وَالسَّلاَمُ-: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟! كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الْخُزَاعِيِّ].
لَقَدْ جَعَلَ الرَّسُولُ r كَافِلَ الْيَتِيمِ مُرَافِقاً وَمُصَاحِباً لَهُ فِي الْجَنَّةِ, فَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ t, قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ r: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِى الْجَنَّةِ, - هَكَذَا- وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى, وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئاً»
[أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ]، وَاعْلَمْ أَخِي الْمُسْلِمَ يَا رَعَاكَ
اللهُ! أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْيَتِيمِ وَإِطْعَامَهُ تُعَدُّ مِنَ
الْبِرِّ وَمِنْ صِفَاتِ الأَبْرَارِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: )وَلَكِنَّ
الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ
وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي
الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى( [البقرة:177].
أَيُّهَا الْوَلِيُّ وَالْوَصِيُّ:
إِذَا
كَانَ لَدَيْكَ فَتَاةٌ يَتِيمَةٌ فَاتَّقِ اللهَ فِيهَا، وَحَافِظْ
عَلَيْهَا حَتَّى تَبْلُغَ النِّكَاحَ، فَإِنْ كَانَتْ تَصْلُحُ لَكَ أَوْ
لِوَلَدِكَ وَرَغِبْتُمْ فِي نِكَاحِهَا وَرَضِيَتْ هِيَ بِذَلِكَ فَلاَ
تَبْخَسُوا مِنْ صَدَاقِهَا شَيْئاً، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ صَدَاقُهَا
كَصَدَاقِ مَثِيلاَتِهَا مِنَ النِّسَاءِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَدَيْكَ
رَغْبَةٌ فِيهَا وَلاَ تُرِيدُ أَنْ تَدْفَعَ لَهَا صَدَاقَ مَثِيلاَتِهَا:
فَبَادِرْ فِي تَزْوِيجِهَا إِذَا جَاءَ كُفْؤُهَا وَرَضِيَتْهُ، وَلاَ
تَعْضِلْهُا – أَيْ: لاَ تَمْنَعْهَا- لِغَرَضٍ أَوْ لآِخَرَ، قَالَ اللهُ
عَزَّ وَجَلَّ: )وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ( [النساء:3].
كَفَاكَ بِالْعِلْمِ فِي الأُمِّيِّ مُعْجِزَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالتَّأْدِيبِ فِي الْيُتْمِ
ذُكِرْتَ بِالْيُتْمِ فِي الْقُرْآنِ تَكرِمَةً وَقِيمَةُ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ فِي الْيُتْــمِ
0 تعليقات
أهلا وسهلا ومرحبا بك في موقع تغطية مباشر : ضع ردا يعبر عن اناقة أخلاقك ، سنرد على اي استفسار نراه يحتاج الى اجابة ، ادعمنا برأيك وضع تعليقا للتشجيع ..