ميزة جدول التنقل

جدول التنقل

الشهيد أبو حمديّة.. وأحداثُ "الساعاتِ الأخيرة"


الأرجح أنه كان يريد إثبات حاجة في نفسه، والدليل أنه بدا مستجمعًا عزيمة 64 سنةً من عمره الطويل بما فيه من أحداث، والقصير مقارنةً بالعمر الذي كانت شقيقته تتمنى له أن يحياه، في تلك اللحظة، قبل شهرين تمهيدًا للحظةٍ حاسمة انتفخت رقبته، في مؤشر لا ريب فيه على بدء العد التنازلي لحياته في ظل إهمال طبي كئيب يعرض له. وتقول اعتدال ل"فلسطين": "أراد أن يملّ الصبرُ من صبره، ويتحدى المعاناة بالثبات والمعنويات المرتفعة إلى عنان السماء، لاحظت ساعتها انتفاخًا في الجهة اليمنى من
عنقه، ولم يكن يتمكن من الحديث، وإن فعل ذلك فإنه صوته لا يُفهم؛ لقد كان مبحوحًا". "ميسرة، لديك مرض خطير" دأب طبيب إسرائيلي على إلقاء هذه الكلمات الثقيلة على مسمعه كأنّه يُلّوح له بالدواء بيده ثم يحجبه عنه؛ ليذيقه مرارًا عجز عن إذاقته إياه حتى النهاية، وفي زيارتها له قال ميسرة لاعتدال: "بهذا يخبرني الطبيب"، فردّت: "ما بالك؟!، إنه عدو يريد النيل منك فحسب". الاحتلال كان مداومًا على اعتقال ميسرة لتحقيق هدف إنهاء حياته، المرة الأولى كانت سنة 1969 م مدة ثمانية أشهر، والثانية سنة، والثالثة في المدة الواقعة بين سنتي 1975 م و 1978 م، أما الرابعة فكانت القاضية في عام 2005 م، وتحديدًا في 28 مايو منه. ونفاه الاحتلال أيضًا سنة 1978 م إلى المملكة الأردنية الهاشمية، قبل أن يعود إلى الأراضي الفلسطينية بعد قدوم السلطة وتوقيع اتفاق أوسلو بأربع سنوات، عمل حينها ضابطًا في جهاز الأمن الوقائي في الضفة الغربية، وتقاعد منه فيما بعد برتبة لواء. ساعات ما قبل "النهاية" "ميسرة الآن يصارع الموت" باتت الصيحات تعلو من هذه المؤسسة الحقوقية وتلك بقدر علو معنوياته ورفعتها، الجميع كان يُحذر بلغة واضحة: "أنقذوا ميسرة من المرض الخبيث الذي استشرى في جسده". واتخذ الأمر منحى أخطر بخروج صوت من داخل السجون هو صوت أحد أقدم الأسرى في سجون الاحتلال عباس السيد، حين وجه نداءه الأخير للجميع قبل أيام قلائل: "لا أمل في شفاء ميسرة إن لم ينقله الاحتلال إلى المستشفى، وتنتهي سياسة الإهمال الطبي". وكعادته لم يسمح لاعتدال أو لغيرها بتكرار الزيارة؛ خشية أن تمنحه تلك الزيارات دفعة معنوية، أو _بالأحرى_ لأنه تجرّد من إنسانيته تمامًا، لدرجة تقول اعتدال عندها: "لم نتمكن من زيارة ميسرة حتى مع اشتداد أزمته الصحية، وكنا نتابع حالته من خلال المحامين الذين زاروه ودقوا ناقوس الخطر". وصل ميسرة إلى حدٍّ لم يستطع معه التحرك، وفقد القدرة على النطق: ممدَّدٌ في السرير، وضعه صعب جدًّا، معاناته تفوق كل معاناة، بل صف عذاباته بما تشاء، لم يجزع ولم يمل من التحدي والرضا بقضاء الله. "ولا يعني ذلك أنه لم يكن يسعى إلى الشفاء، كلا، بل طالب مرارًا بمنحه الحق في العلاج ونقله إلى المستشفى، لكن ماذا عساه أن يفعل أمام جبروت الاحتلال ونواياه المبيتة لقتله، في ظل عدم اكتراث سلطة رام الله بالأسرى، وهو المعتقل منذ 11 سنةً؟!" (والقول بنبرة شجن ل"اعتدال"). "المسكنات" فحسب كانت هي الدواء الذي يراه الاحتلال مناسًبا ويقدمه لميسرة الذي تلف القيود قدميه ورجليه، في مواجهة "سرطان خبيث" يهدد وجوده على مرأى من أعينهم ومسمع من آذانهم دون شفقة ولا رحمة. وكل ذلك التعذيب مع أنه لم يعترف يومًا بما ينسبه إليه الاحتلال من تهم ساقطة، وهو الذي درس الحقوق ثلاث سنوات، ويعرف كيف يغرس في نفسه حب تحقيق العدل وانتزاع الحقوق رغمًا عن السجّان الأحمق. واحتدت إلى جانب ذلك المطالبات بتدخل السلطة في رام الله والاهتمام بقضية الأسرى، لاسيما أن 25 منهم يعانون السرطان، "لماذا لا تحتل هذه القضية رأس أولوياتها بشكل حقيقي حقيقي؟!"، كرّرتها اعتدال مرتين، ومازالت.لم تهدأ العاصفة ولم تكل النداءات والاستغاثات الحقوقية والشعبية لإنقاذه من موت محقق، دون جهدٍ مبذول من أغلب الدول العربية، ولا من السلطة في رام الله، حتى استيقظ الجميع صباح أمس، ولم يستيقظ ميسرة.

إرسال تعليق

0 تعليقات